الثلاثاء، سبتمبر 13
حصــــــــريا - امنينة
عيب يا صلابي يا إسماعيل
فما هكذا تورد الإبل
بقلم : إبراهيم السنوسي امنينه
قال طه حسين :
(( عجبت لأولئك الذين لا يعملون ويسيئون للذين يعملون فويلٌ للذين لا يعملون من الذين يعملون )) .
وقال شاعر المعلقات زهير بن ابي سلمى :
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده \فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ \ وإن خالها تخفى على الناس تُعلِم
ومن لم يصانع في أمورٍ كثيرةٍ \ يُضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسمِ
وقال آخر :
وقد يُرجى لجرح السيف برؤٌ \وما بروٌ لما جرح اللسانُ
وبعد، إلى السيد إسماعيل الصلابي .. هداه الله ونفعه :
إن ما شاهدته وسمعته منذ أيام على شاشة إحدى الفضائيات "المتربّصة" للآراء والمواقف، من تصريح وأقوال نسبت إلى حضرتكم، بالفعل مخجلة ويندى لها الجبين، ولا تليق بمكانتكم عند الثوار الذين يفترض انتماؤكم إليهم، لأن ما تفوّهت به خلال تلك المداخلة كان بمثابة السمّ الذي تقذف به الأفعى ثم تنسلّ .
أقول لك الحق عن شعوري عندما سمعتكم تتقوّلون بما يشبه الهذيان بل الهراء والهذر والإدعّاءات الباطلة المفعمة بالإسفاف والتقريع بحق زملائك الثوار الأشراف إذ لا حاجة بك لافراغها بل ولا يستحقونها هؤلاء الأشراف منك كرفيقٍ لهم على درب الثورة (؟) .
سألت نفسي : هل أنا استمع فعلاً إلى تلك الأفعى الأرناؤوطية التي كانت تهذي وتتقـوّل على أشراف المعارضة وعلى أبطال الجبهات – من إذاعة القنفوذ، وظلـّت كذلك حتى أتى أمر الله ؟ لكن كانت الإجابة بالنفي حيث اختفت السبحه !!
ولا أقول إلا لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم !!
والله والله ولا أقسم بالله حانثاً لولا أن أخذ هؤلاء الأشراف زمام المبادرة وتنادوا وشكلوا تشكيلاتهم من المجاهدين بكافة أطيافهم وشرائحهم وميولا تهم وعقائدهم، إذ توحد هدفهم وقويت عزائمهم، وانضووا تحت لواء هؤلاء الأشراف المؤهلين بالفعل للقيادة والانتصار على الطاغية وجنده من المرتزقة من ليبيين وأجانب- هؤلاء الأشراف قاموا في الوقت المناسب بإجراء ما يلزم من اتصالات ضرورية سوى بالجامعة العربية أو الأمم المتحدة أو مجلس الأمن ليتقرّر في النهاية تدخـّل الحلف لحماية البلاد وسكانها بعد أن طغى فرعون وأسرف في القتل والاغتصاب والخطف والاعتقال بلا تمييز- بل كانوا يُقتلون في طرابلس على الهوية، أقول لولا مثل تلك الاتصالات العاجلة وطلبات النجدة المستعجلة لأصبحت مدينة بنغازي صباح السبت 20/03/2011م قاعاً صفصفاً خاوية على عروشها ومغتصبات حرائرها، ولولا هؤلاء الأشراف الثوار القادة لما توالت وتتالت اعترافات العالم المتمدين بهذا المجلس المهيب بكافة أعضائه، ليس هذا فحسب، قامت هذه الدول إضافةً إلى قطر والإمارات والأردن مشكورات بشحن وتوصيل المساعدات اللازمة للمقاتلين المجاهدين على مختلف الجبهات من دواءٍ وغذاءٍ وكساءٍ وتدريب وأسلحة وتقنية كنا في أمسّ الحاجة إليها لحماية المدن وتوفير الأمن فيها ضد الخلايا النائمة وبقايا وفلول الطاغية وتفجيراتهم المراد بها بالإضافة إلى التقتيل وتدمير المنشآت وخلق الفوضى والبلبله ودس الإشاعات والفتن تماما مثلما حاولت أنت على شاشة تلك القناة ( BBC) لكن خاب سعيك إذ أن حتى مذيع القناة لم يقتنع بوجهة نظرك ضيّقة الأفق والتي لا بُعد لها وما وراءها إلا طموحات مسطحّة، فقط حسداً من عند أنفسكم .
ولكن كيف يتسّنى للثوار القادة أن يخططّوا لحماية الشعب وحماية أنفسهم وأمثالك بينهم ؟؟!
قال الشاعر:
وأخيراً :
لعل الله يهديكـ ويعفو عنك ويغفر لكـ .. ويصلح من شأنكـ .. ويحفظ الله مجلسنا من شّـركـ . آمين !
والسلام عليكــ ...
* وكان من الأجدر والأولى بك لتعبير عن آرائك وتحفظاتك أو مقترحاتك أن تطبقّ المثل الليبي القائل : "حمرة في الوجه ولا غصّة في الخاطر" بأسلوب متمدين وليس بالصلف والتجني الذي بدا منك على الملأ وتجتمع بإخوتك في النضال لتبدي ما أنت مخفيه وتستمع إليهم ويستمعون إليك ربما كان ذلك أفضل للجميع .
الخميس، سبتمبر 8
كتابات من الوطن
د. إبراهيم قويدر
عاش أفراد المجتمع العربي الليبي ذكورًا وإناثًا 42 عامًا على ثقافة مبرمجة وممنهجة في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاداريه، مظهرها العام الفوضى في كل شيء، وانهيار الأخلاق وسلوكيات التعامل وتشتُّت الأفكار، ولا تستطيع أن تفهم أو تدرك طلاسم هذه الثقافة إلى درجة أنها وصفت لنا بـ"الفوضى الخلاقة" .
سبحان الله لهذا التلاعب بالألفاظ والعبارات.. عشنا ونحن لا يذكر في إعلامنا إلا اسم رجل واحد مصحوبًا بكل الألقاب التي تنم عن العظمة والتأليه والعياذ بالله، عشنا أيضًا ونحن نرى حتى الحوائط الجامدة قد يكون لها آذان تسمع بها، فكان الخوف والرعب هو الطابع الأساسي لحياتنا.. عشنا ونحن نرى الظلم ولا نستطيع أن نحد منه، نراه في انتهاك الملكية الخاصة، ونراه في تأميم ما أحله الله، ونراه في انتهاكات للعرض وتفسخ في الأخلاق وفساد لم يسبق له مثيل قد استشرى بين الناس.
عشنا نسمع في الإعلام نشراتٍ وأحاديثَ لا تمت للواقع بصلة، إعلام كاذب تسيطر عليه عقلية "لا شيء"، قد يكون فيه إيحاء ولو بسيط من قريب أو بعيد، أو ربما غير مقصود للسدة العالية القائد، فهو جرم وتعدٍّ وخيانة عظمى وكفر بمقولات الكتاب الأخضر.
عشنا كيف يتم اختيار الأمناء الصغار في البلديات بكولسات واجتماعات في المرابيع من قبل أعضاء اللجان الثورية المهمِّين في كل بلدية، ويكون من بينهم، ويدعوهم وينظم أجتماعهم أحد رجالات مكتب اللجان الثورية بطرابلس، وتوضع الأسماء ويتم اختيارها شعبيًّا وعلى مستوى اللجنة الشعبية العامة، كان كشف الأسماء يُملى بالتليفون لأمانة مؤتمر الشعب العام، وتعلن اختيار الحكومة برفع الأيدي..
عشنا ونحن نعلم عِلم اليقين أنه منذ 1977 وكل من سمو أمناء للجنة الشعبية العامة ليسوا برؤساء وزراء، بل هناك رئيس وزراء فعلي وراء الكواليس، والباقي كلهم صور تنفيذية لهذا الفعلي، سابقًا كان "جلودًا" وفى السنوات الأخيرة "سيف".
عشنا ونحن نعرف أن الأمناء في بلادنا ليسوا أمناء وليسوا وزراء في الوقت نفسه، فهم موظفون ينفذون التعليمات، منهم من عمل خيرًا وقام بواجبه، ومنه من تهوّر وانزلق في أثناء تأدية الواجب ودخل في ممرات وسراديب الفساد.
عشنا ونحن نعلم أن الأكثر فسادًا من أعضاء الحكومة هم البعض من الضباط الأحرار، والبعض من الثوريين من "قحوص" القذاذفة وورفلة واولاد سليمان، هنا أقول "البعض الذين كانوا من ضمن الدوائر الصغيرة"، أما الأعم فمن رجال هذه القبائل، فهم شرفاء أنقياء، أعرف منهم الكثير والكثير.
عشنا ونحن نرى التقارير الكيدية والملفات التي كان كل ما بها زورًا وبهتانًا، وتتحول إلى ملفات قضائية، ويحاكم الناس وهم مظلومون بأقصى العقوبات، رغم أنهم أبرياء من كل ما نسب إليهم.
عشنا ونحن نرى الخمر في مكاتب وفلل الثوريين، ورأينا السهرات الماجنة، ونسمع بها ويقوم بها أبناء المستبد وكثير من أعوانه.
وهنا أسرد حيث تم إحضار مطربة وفرقتها بطائرة خاصة من بلدها إلى إسبانيا حيث أقيم حفل عيد ميلاد أحد الأبناء، وكلفه ذلك أن باع بعض النياق التي ملكها من جده بمليون دولار، ودفع بها أجرة الفنانة.
كل هذا عشناه، وأصبح يمثل مسارًا في حياتنا، وثرنا عليه ورفضناه؛ لكن لا تنسوا أن هناك ناسًا لا يزالون متأثرين به ويتصيدون أية فرصة لإعادة هذه الثقافة إلينا.
أرجوكم انتبهوا، حتى لا نقع في الأخطاء نفسها، فلنكن جادين في الاختيار في أقل الوظائف وكذلك أكبر الوظائف، فمهمّ جدًا أن يكون أمين السجل المدني أو المحقق في مركز الشرطة أو مسئول التليفونات في الفرع البلدي إنسانًا وطنيًّا مخلصًا ملتزمًا بأخلاقيات وسلوكيات الإسلام في التعامل مع الآخرين، يخاف الله ولا يخاف أحدًا في الحق.
نعم فلنهتم بكل المواقع عند التكليف، ولا نقع فريسة أفكار المرابيع مرة أخرى، فلنفق، كفانا مرابيع وكولسة وشللية، واحذروا من اختلاف الألوان مع نفس الشكل.
بمعنى آخر، لا لكل من يريد أن يكلف قريبًا له بحجة الثقة أو دارس معه في بريطانيا أو أمريكا ونثق فيه حذارِ من هؤلاء غابوا عن الوطن ولا يعرفون الناس الآن وعلاقتهم بالوطن توقفت منذ خروجهم، ثلاثون، أربعون، عشرون سنة، حسب خروج كل واحد منهم.. وهم لا أشكك في وطنيتهم ومعارضتهم للاستبداد؛ لكن عليهم أن يتريثوا ويتبيّنوا قبل أن ينجرُّوا ويجروننا معهم ونقع في المحظور.
الله أكبر، سررت جدًّا من موقف رئيس المجلس الوطني عندما تحدث عن وجود شبهة فساد، واتفق معه أن يتم الإعلان عن الجهات القضائية بتوجيه التهم إن ثبتت، وتحيلها إلى الادعاء العام، والإعلان عن الأسماء والتهم، فليس لدينا ما نخبئه وأن هذا الإجراء الآن مهم من نقطتين.
الأولى: زيادة ثقة الشعب الليبي بمجلسه الوطني الانتقالي، وكذلك اطمئنان المؤسسات والدول في مصداقية وشفافية إدارة ليبيا الحرة.
والثانية: أن هذا الإجراء سيردع من يفكر أو تسوِّل له نفسه أن يمد يده على أموال الشعب ألف مرة قبل أن يفعلها.
وأخيرًَأحذرواِ من الحذاق، الذين لا يخافون الله، تجار الحروب وتجار الفتنة هؤلاء بدءوا يتسللون في فنادقنا، ويرغبون في أن يتاجروا بالسلع والأدوية والمواد التموينية والأسلحة، هؤلاء وباء يجب القضاء عليهم وعدم التعامل معهم وكشفهم للرأي العام بكل الوسائل.
وأخيرًا أقول: ليبيا الأحرار محطةٌ ارتبطنا بها ثوريًّا، وكان لها ولشبابنا فيها عمل رائد ثوري عظيم، فكيف لا نقف بسرعة عندما يُقدِّم العديد منهم استقالة جماعية، أليس الأمر خطيرًا في العالم الآخر عندما يستقيل هذا العدد، يعني أن مدير المرفق الإعلامي فاشل، وينسحب بمجرد أن يهددوا بتركهم المحطة، لماذا عدم الحسم؟! ولماذا التمسك بالمدير؟! أنا لا أعرف المديرةـ وليس لي علاقة قرابة بأحد من المستقيلين؛ لكن الأمر فعلاً معالجته من قبل المسئولين شبيهة بمعالجات ثقافة الفوضى السابقة، وما كان يحدث في الإعلام الجماهيري، "عجبكم باهي مش عجبكم، الباب يفوت جمل"، لابد وفورًا أن نعيد الشباب إلى عملهم ونكلف مديرًا آخر، وهذا ما حدث فعلا ولكنه تأخر الحسم فيه قليلا ومثل هذا الموضوع لا يحتاج إلى تفكير كثير، فالإجراء لا بد أن يتم هكذا يوقف المسئول عن العمل، ويعود الشباب ويكلف مؤقتًا مديرًا آخر، وتجري التحقيقات من قبل جهة محايدة وحسب ما تظهره نتائج التحقيق يصدر القرار النهائي لا للمجاملات في مثل هذه المواضيع بعد اليوم .
وختامًا علينا أن نتعاون جميعًا في طيّ صفحة ثقافة الفوضى الخلاقة إلى الأبد، وننعم بالنظام والقانون واحترام الإرادات من أجل بناء ليبيا سليمة متعافية من كل الأمراض السابقة الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
الأربعاء، سبتمبر 7
حصريا ذاكرة الايام 7 ( امنينة)
الطريقة السنوسية: الفكر .. الانتشار .. والجهاد
بقلم : ابراهيم السنوسي امنينة
4- قيادة السيد احمد الشريف
لقد كان السنوسيون دائماً يعتزون باستقلالهم لا يفرطون فيه وظلّوا حتى ذلك الحين يرفضون مجرد استقبال ممثلي السلطات التركية في الكفرة، ولكن بعدما تأّزم الموقف جدّياً بحلول عام 1908م رحّبوا برفع العلم التركي هناك إعلاناً للسيادة العثمانية واحتماءً بها، غير أن الأتراك في نفس الوقت كانوا مشغولين بمتاعب داخلية في بلادهم ولم يعد بوسعهم توفير قوات كافية للدفاع عن مثل تلك التخوم البعيدة. ومن هنا اضطر السيد أحمد الشريف إلى البحث عن وسيلة أخرى لإنقاذ الحركة السنوسية، بينما كانت مناطق "بورنو" وتبيستي بما فيها أقاليم "قرو" و "اوجنجا" قد وقعت بأكملها في أيدي الفرنسيين، فأرسل في طلب النجدة من اللورد كيتشنر بالقاهرة – ومنذ ذلك الحين كانت العلاقة بين بريطانيا والحركة السنوسية قد نشأت وليس كما يعتقد البعض ويشيع بأنها بدأت أثناء تواجد سيدي إدريس في المهجر بمصر في الأربعينيات – ورأت الحكومة البريطانية في حينها أن الكفرة تعد من ضمن المناطق الخاضعة لسلطان الإمبراطورية العثمانية، فتدخلت لمنع الفرنسيين في اللحظة الأخيرة إذ أن أحد الطوابير الفرنسية كان قد وصل بالفعل حتى منطقة "سارّة" التي تقع على بعد 320كم فقط جنوبي الكفرة. وفي سنة 1910م انسحبت القوات الفرنسية إلى بلدة "تكرو" التي اعتبرت من ثم نقطة الحدود الفاصلة بين أراضي ليبيا وتشاد .
وما أن نجا السنوسيون من تهديد الخطر الهائل في الجنوب حتى أحدق بهم في الشمال خطر جديد أكثر إلحاحاً من سابقه. فسعيا وراء حقها المزعوم في امتلاك منطقة نفوذ لها في ليبيا وضمان موطئ قدم على الشواطئ الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط – التي كان جزء كبير منها قد وقع في أيدي الإنجليز والفرنسيين فعلاً – قامت إيطاليا فجأة بإعلان الحرب على تركيا في سبتمبر 1911م ثم بادرت بإنزال قواتها في كل مدن طرابلس والخمس وبنغازي ودرنة وطبرق. وكان ذلك العمل عدواناً سافراً أثار سخط العالم الإسلامي كله، بينما لم ترتفع في أوروبا سوى القليل من أصوات الاحتجاج لأن سائر الدول الأوروبية الكبرى كانت عاكفة على القيام بأعمال عدوانية مماثلة في أجزاء أخرى من القارة الإفريقية .
أما تركيا التي كانت حينذاك غارقة في حرب البلقان حتى أذنيها فإنها لم تكن في وضع يمكنها القيام بأي عمل دفاعي فعّال في ليبيا ( خصوصاً بعد توقيع اتفاقية أوشى لوزان مع إيطاليا في أكتوبر 1912 – إدخال من الكاتب ) .
ولذا فإن مسئولية تنظيم المقاومة الليبية وقعت على عاتق الزعماء الوطنيين وحدهم بينما كان ينقصها التنسيق وكفاءة التوجيه .
وفي تلك الأثناء بعث السيد أحمد الشريف أوامره من الكفرة لحثّ السنوسيين على أن يهبّوا لمساندة الحاميات التركية في مناطق بنغازي ودرنة. وهكذا أثار رجال القبائل المحليّة حركتي مقاومة منفصلتين لا تنسيق بينهما في كل من طرابلس وبرقة، واستمرت المقاومة في السير على هذا المنوال طيلة فترة الكفاح الليبي ضد الطليان. وعلى الرغم من أن الحكومة العثمانية ظلّت عاجزة عن إرسال إمدادات عسكرية نظراً للحصار البحري الذي فرضته إيطاليا على سواحل ليبيا إلا أن كثيرين من ضباط الأتراك والمصريين استطاعوا التسّلل إلى داخل الأراضي الليبية حيث انضموا إلى القوات التركية الليبية المشتركة، وكان من ضمن هؤلاء الضباط الذين وضلوا طرابلس : فتحي بك، الملحق العسكري التركي في باريس، وحافظ عفيفي وهو طبيب صار فيما بعد سفيراً لمصر في لندن، وعبد الرحمن عزّام، أمين عام الجامعة العربية في وقت لاحق.
وبفضل تعاون المصريين الذين بذلوا كل جهد مستطاع لمساعدة المقاومة الليبية. وصل إلى برقة أيضاً عدد من أولئك الضباط كان من بينهم أنور بك الذي تولّى فيما بعد منصب وزير الحربية التركية ومصطفى كمال ( أتاتورك رئيس تركيا في وقت لاحق) وعزيز المصري وكانوا كلهم ينتمون إلى حركة تركيا الفتاة في ذلك الوقت .
وكان أنور بك قد نجح إلى حد كبير في كسب ثقة القبائل البرقاوية التي تمكنت بغاراتها المتتالية من تضيق الخناق على قوات الاحتلال الإيطالي وإرغامها على أن تلزم معاقلها الساحلية. وفي صيف 1912 أقنع السيد أحمد الشريف بالقدوم إلى الجغبوب حيث زاره هناك وأبلغه بأن السلطان قرّر منح الليبيين استقلالهم، كما حثه على مواصلة الحرب وحده وعدم القبول بأية شروط للصلح طالما بقى الإيطاليون في ليبيا . أما أنور نفسه فسافر بعدئذٍ إلى تركيا وكان مصطفى كمال قد سبقه إليها . ثم لم يلبث الأتراك أن توصلوا إلى تفاهم مع الطليان أسفر عن إبرام معاهدة لوزان بين الجانبين ( كما ورد في المداخلة السالفة ) . وقد نصّت تلك الاتفاقية المشبوهة على أن يسحب الأتراك قواتهم من ليبيا ويمنحوا البلاد حكماً ذاتياً كاملاً، فيما سمحت للسلطان العثماني بتعيين ممثل شخصي له في البلاد مع الاحتفاظ بسلطته الدينية على الأهالي . وكان السيد أحمد الشريف هو المفّوض الذي اختاره السلطان، وتفصيل ذلك أن أنور باشا حمل إلى السيد أحمد الشريف ذلك الأمر السلطاني الذي ينص على أنه أصبح نائباً للخليفة في إفريقيا كلها ويخّوله ما للخليفة نفسه من النفوذ المطلق مدنياً وعسكرياً، كما يعطيه حق إعطاء الرتب والنياشين والعفو عن المحكومين وكذلك التولية والعزل دون الرجوع إلى دار الخلافه .
وقد وكّل سيدي أحمد الشريف السيد إدريس السنوسي توكيلاً كاملاً في كل ذلك قبل مغادرته برقه عام 1918م. وقد حمل أنور باشا للسيد أحمد الشريف الكثير من الأوسمة والنياشين لمنحها لمن يشاء من مساعديه. وقد منح السلطان السيد أحمد رتبة الباشاوية من الدرجة الأولى وعدة أوسمة رفيعة منها الوسام العثماني الأول، كما منح السيد إدريس السنوسي نفس الوسام ونفس رتبة الباشاوية من الدرجة الأولى، ومنح رتبة الباشاوية لكل من السيد محمد عابد السنوسي والسيد رضا المهدي والسيد على الخطابي والسيد هلال والسيد صفي الدين وهم أبناء عم الملك إدريس – سليل الفاتحين – مع أوسمة رفيعة أخرى. وتولى السيد أحمد سلطته العامة باسم نائب الخليفة العثماني وقائد المجاهدين وقد وزّع الرتب والنياشين على معاونيه ونذكر منهم :
رتبة الباشاوية لكل من حسين بسيكري مع النيشان العثماني، والسيد أحمد بن إدريس والسيد أحمد العيساوي والسيد محمد على عبد المولى والسيد المرتضي فركاش والسيد محمد الدردفى، والسيد محمد بن عمور، والسيد عمران السكوري. كما منح رتباً وأوسمة أخرى لكل من محمد الأسمع والسيد عبد الله بن عامر والسيد عبد السلام بوقشاطه والسيد مصطفى امنينه والسيد وصفى الخازمى .
وقبل هذه "النيابة" عن الخليفة كان السيد أحمد الشريف يحمل رتبة "مشير" في الجيش العثماني، ويحمل الوسام المجيدى الأول والعثماني الرابع والثاني والنيشان المرصع مع الأوشحة، وفي فترة لاحقة حمل وسام ألماني من أرقى الأوسمة العسكرية الألمانية .
وهكذا أجبرته الظروف – السيد أحمد الشريف على أن يصبح رئيس حكومة وقائداً عسكرياً في آن واحد . وعلى الرغم من تفوق القوات الإيطالية المعادية وقلّة خبرته العسكرية، فإنه تحمّل المسئوليات الجسام بكفاءة مذهلة .
وعقب انسحاب القوات التركية من طرابلس الغرب أخذت حركة المقاومة هناك تخمد تدريجياً. أما في برقة فقد أبقى الأتراك على بعض قواتهم فلقيت مساندة كاملة من قوات البدو واستطاعت أن تلحق بالإيطاليين عدة هزائم ساحقة. وفي غضون ذلك قام السيد أحمد الشريف بتأليف حكومته الخاصة التي جعل مقرّها في الجغبوب وأصبحت كافة أوراقها الرسمية تحمل ختم "الحكومة السنوسية" وقد شدّ من أزره التأييد المعنوي الواسع النطاق الذي عمّ أرجاء العالم العربي والإسلامي إذ نشطت من كل من مصر وسوريا والحجاز لجان جمع التبرعات دعماً للجهاد الليبي، فيما كانت إمدادات المؤن والذخائر ترد عن طريق ميناء السلوم بمصر التي لم يكن بوسعها إرسال قوات من عندها نظراً لوجود السيطرة البريطانية فيها وقتذاك ( وما أشبه اليوم بالأمس إذ مضت ستة أشهر على قيام ثورة 17 فبراير ولم تعترف لا سوريا ولا مصر ولا الحجاز حتى اليوم ) فشكلت جمعية للهلال الأحمر من أجل العناية بالمرضى والجرحى بين صفوف المقاتلين الليبيين . (1912م – 2011م) .
وفي صيف عام 1913 بدأت الأمور تسير من سّيء إلى أسوأ بالنسبة للقوات السنوسية التي تكبّدت خسائر فادحة في بعض المعارك واضطرت إلى إخلاء المواقع القريبة من بنغازي ودرنة وعدة مناطق في الجبل الأخضر. كما زاد من تدهور الموقف حدوث خلاف بين السيد أحمد الشريف ومستشاره "عزيز المصري" حول سير العمليات الحربية مما أدّى إلى انسحاب هذا الأخير عبر الحدود المصرية حاملاً معه معظم قطع المدفعية التركية المتبقيّة، فاشتكاه السيد أحمد الشريف إلى أنور بك، وحوكم المصري أمام مجلس عسكري تركي أصدر ضده حكماً بالإعدام بتهمة تسليم برقه للطليان . واعتبر البرقاويين تخلّى عزيز المصري عنهم واستيلائه على الأسلحة الثقيلة وأخذها معه إلى مصر – خيانة لا تغتفر ومهما يكن من أمر فإن الحكومة التركية لم تلبث أن أطلقت سراحه ولم تنفذ فيه حكم الإعدام بل سمحت له بالإقامة في مصر وذلك استجابة لوساطة أصدقائه الكثر من ذوي النفوذ هناك وتدخّل مراسل صحيفة "التايمز" البريطانية في إسطنبول .
وفي وقت لاحق ساهم عزيز المصري في تفجير الثورة العربية بالحجاز، ثم اختار الجنسية المصرية وشغل في مصر عدة مناصب هامة من بينها منصب المفتش العام للجيش المصري . وكانت المقاومة المنظمة بقيادة الضباط الأتراك قد توقفت في برقه بعد رحيل عزيز المصري، غير أن القتال استمر بأسلوب حرب العصابات حيث ظل عرب برقه يضايقون الإيطاليين بشنّ هجمات متكررة على الموانئ وخطوط الإمدادات لمنعهم من بسط سيطرتهم إلى أبعد من حدود الشريط الساحلي .
وفي طرابلس انقسم أهل البلاد إلى فريقين كان أحدهما يصرّ على مواصلة القتال والآخر ينادى بالدخول في مفاوضات مع الطليان على أساس المطالبة بالحكم الذاتي وفقاً لما نصّت عليه معاهدة "أوشى لوزان" المنعقدة خلال شهر أكتوبر 1912.
وقد رجحت لبعض الوقت كّفة الرأي الداعي إلى استمرار المقاومة، وكان يتزعم هذا الرأي المجاهد سليمان الباروني ( من قادة ثوار الجبل ) غير أنه لم يفلح في توحيد الشعب خلف قيادته .
وكان انسحاب القوات التركية في أوائل عام 1913 قد ترك أهل طرابلس الغرب وحدهم بلا قيادة وعّزلاً من السلاح، فتكمن الطليان من احتلال معظم أجزاء البلاد دون مقاومة تذكر. ورحل الباروني إلى اسطنبول في مارس 1913 ومكث هناك إلى عام 1915 بعد أن انشغلت إيطاليا باندلاع الحرب العالمية الأولى في أوروبا، مما أتاح الفرصة لاستئناف العمليات المساندة للأتراك في طرابلس الغرب .
ونتوقف عند هذه المرحلة على أن نعود لنروي ما حدث للسيد أحمد، وكيف أسدل الستار على حياته السياسية واضطراره للخروج إلى تركيا خلال شهر أغسطس 1918، والبقاء بها إلى أن طلب منه مصطفى كمال آتاتورك رئيس الجمهورية التركية مغادرة البلاد حيث وافق على استضافته الملك عبد العزيز آل سعود وبقى إلى أن وافته المنيّه هناك عام 1932 .
(يتبع في الحلقة القادمة )Ü .....
حصريا ذاكرة الايام 7 ( امنينة)
الطريقة السنوسية: الفكر .. الانتشار .. والجهاد
بقلم : ابراهيم السنوسي امنينة
3- الحرب الفرنسية ضد السنوسية
قبل أن يبدأ الفرنسيون حربهم ضد السنوسية مهدوا لها بحرب دعائية مركّزة في جرايدهم قصدوا منها تأليب الرأي العام الأوروبي على السنوسية وزعيمها زاعمين أنها تعادى النصرانية وتقاوم التبشير الصليبي وتتهيأ بالمعّدات الحربية لمقاتلة أهل الصليب. وقد كتب الحشائشى في جريدة الحاضرة التونسية مقالاً أنكر فيه ونفى هذه التهم. ويبدو أن المقال كان قد كتب قبل نشوب الحرب السنوسية الفرنسية وبعد مقتل رابح، ومما جاء فيه دفاعاً عن السنوسية : " ... وهم لا يخوضون في ما لا يعنيهم كالاشتغال بالسياسات فذلك عندهم كالمحرمات، وما أشيع عن السنوسي من أنه مستعد للحروب ويدّخر الأسلحة المتقنة يحصل عليها من أوروبا وأن يشيد الحصون بالصحراء ويصنع البارود وله عسكر وخيول مسوّمة ويبغض الفرنجة .. كل ذلك خرافات وأراجيف لا أصل لها ... ومن أجل ذلك قلنا ولازلنا نقول أن الشيخ السيد المهدي t لم يكن منطوياً على معاداة أهل الصليب ولم يفكر يوماً واحداً في إيقاظ الفتنة النائمة " .
ويبيّن كاتب المقال سبب بروز هذه التهم فيقول بعد مدح "المهدي" ، وفي هذه المدة الأخيرة ظهر داع بنواحي بحيرة تشاد لشنّ الغارة وإثارة الفتن اسمه السنوسي وهو من أتباع "رابح" سلطان "برنو" الذي قتل في السنة الفارطه، وكانت له أخت اسمها "فاطمة" في عاصمة "رابح" المذكور، وهذا الرجل ليس هو السنوسي المترجم له، ولا شك في أن الاشتباه على أصحاب الجرايد من أنه هو المهدي السنوسي حصل من اسمه الذي هو محمد السنوسي .. فسدّد كتبة فرنسا للتنديد بصاحب الطريقة السنوسية.. وعلى كل حال فلا لوم على من غلط من جنرالات باريس ...
لأن هذا الإيهام تسرّب أيضاً لبعض الصحف الإسلامية نفسها مثل مجلة المنار فقد ذكرت هذه المجلة أن السنوسي المهدي له حرب مع الفرنساويين" وفي رأينا أن هذه الحرب الدعائية كانت مقصودة وليست نتيجة خطأ فقط، وذلك للتمهيد لحرب عسكرية، كان لا بد من إيراد مداخلة الرحالة الحشائشى التونسي، والذي اسمه وكتابه على قائمة المراجع وذلك لإضفاء البيئة الحقيقية والمناخ الواقعي لتلك الحرب وتقاطعات المصالح وتبرير الاعتداءات والتحالفات الاستعمارية وضرب طبول الحرب الدعائية للتمهيد لنشوب الحروب العسكرية .
بدأت الحرب عندما تقدم الفرنسيون صوب كانم في حملة مزوّدة بالأسلحة والمعدات الحديثة، وتهيّأ السنوسيون لملاقاتهم فوضعوا حامية كبيرة في مكان يسّمى "بير علالي" وكان على رأسها السيد أحمد محمد الشريف حفيد الإمام وإبن عم السيد إدريس "سليل الفاتحين" يساعده شيخ الزاوية محمد البرّاني. وحدث اشتباك بين الطرفين فأحرز السنوسيون بعض الانتصارات وردّوا الحملة أكثر من مّرة ثم تغّلب الفرنسيون بمعّداتهم وأسلحتهم الحديثة وانهزم محمد البرّاني في معركة دامية في يناير 1902م وسقطت "بير علالى" في أيدي الفرنسيين الذي هدموا زاويتها وبنوا مكانها قلعة حصينة .
وهكذا حدث الصدام الذي تجنبته الحركة السنوسية أكثر من نصف قرن وسيستمر هذا الصدام سنوات بين الفرنسيين والسنوسيين ثم بين السنوسيين والطليان في برقة .
وفي أثناء الاشتباكات الأولى بين السنوسية والفرنسيين في بير علالي اشتد المرض بالسيد المهدي ثم توفاه الله يوم الأحد 24 صفر 1320 هـ الموافق 2 يونيو 1902 في زاوية "قرو" في تشاد . واقترح أحمد الريفي نقل الجثمان إلى الكفرة وتم ذلك ودفن في زاوية التاج .
وهكذا انتقل السيد المهدي إلى رحمة الله وعمره في الستين، بعد أن عاش حياة مليئة أمضى معظمها في تسيير الحركة السنوسية، ولقد حاول بإخلاص أن يدفع بها إلى الأمام ونجح في محاولاته هذه إلى حد لا بأس به، كما حرص على أن يقتفي خطوات أبيه الإمام فتقّيد بأسلوبه وطريقته فكان عمله تتمّهً لعمل أبيه .
ويبدو من تاريخ السيد المهدي أنه كان يتمتع بصفات كريمة ويتحلى بشيم طيبة مع عقل راجح، وتقوى فائقة .
ولا بد لإتمام الكلام في هذا المقام، وهو ترجمة ابن الإمام، أن نسترشد بما كتبه المستر E.I. F DE CANDOL ، الذي عمل كسفير مفوض لحكومة صاحبة الجلالة البريطانية في برقة، وكانت تلك الفترة هي التي نشأت فيها صداقته مع السيد إدريس الذي أصبح ملكاً لليبيا فيما بعد وقد أنعمت عليه الحكومة الليبية بوسام الاستقلال في سنة 1952م. إذا يقول المستر دي كاندول : حدثت وفاة السيد المهدي على نحو مباغت قبل تعيين خليفة له في حين كان ابنه البكر محمد إدريس صغيراً لا يتعدّى الثانية عشر من عمره فاستقر رأي الإخوان على أن يتولّى ابن عمه السيد أحمد الشريف خلافة الطريقة نيابة عنه إلى أن يبلغ سن الرشد ، بينما مكث محمد إدريس في الكفرة يواصل بمدرسة زاوية التاج حيث ينكبّ على حفظ القرآن ودراسة الحديث والتفسير والشريعة والفقه والتاريخ وعلم الحساب .
وفي تلك الأثناء ظهر من أقصى الجنوب الغربي خطر محدق يتهدد وجود الحركة السنوسية برمتها فقد بدأ الغزو الفرنسي للأراضي التشادية سنة 1900 وكانت كل من انجلترا وفرنسا قد وقعتا وكانت كل من انجلترا وفرنسا قد وقعتا معاهدة سرية فيما بينهما في مارس 1899 وهي نموذج صارخ للمؤامرات والدسائس الأوروبية التي كانت تحاك آنذاك بقصد الاستيلاء على ممتلكات في القارة الإفريقية. فمقتضى تلك المعاهدة خصصت لفرنسا منطقة وسط السودان وتقع من بحيرة تشاد في الغرب إلى حدود دار فور شرقاً،مع أنها كانت في الأصل سلطنة مستقلة منذ أقدم العصور، في مقابل تعهد فرنسا باحترام المصالح البريطانية في السودان المصري. وعلى الأثر عقدت إيطاليا وفرنسا أيضاً اتفاقية سّرية في ديسمبر 1900 أطلقت يد إيطاليا في كل من طرابلس الغرب وبرقة التابعتين للإمبراطورية العثمانية آنئذٍ نظير اعتراف الحكومة الإيطالية بمصالح فرنسا في سلطنة المغرب المستقلة وقتذاك .
وهذه الاتفاقيات الرامية إلى اقتسام أجزاء من إفريقيا بين بعض الدول الأوروبية تعتبر أمثلة حيّة على نوعية المساومات الرخيصة ونظرة الاستهتار التي كانت سائدة في تلك الفترة والتي تجاهلت تماماً حتى السكان الأفارقة وحقوقهم في تقرير مصائرهم واختيار حكامهم بأنفسهم. وفيما يتعلق بوسط السودان زعم الفرنسيون أن الحركة السنوسية هي العقبة الرئيسية في طريقهم بدعوى أنها شديدة العداء للمسيحية مع أن هذا الاعتقاد الخاطئ الذي شاع استناداً إلى روايات بعض الرحالة المبالغ فيها كان ينطوي على تجاهل كامل لتأثير السنوسية السلمي والحضاري ويعزو إليها بدلاً من ذلك وجود تنظيم عسكري ونوايا لم تكن تريدها ولا تملكها في واقع الأمر. ولكي تسارع بالوصول إلى حدود منطقة النفوذ التي خصصت لها بموجب المعاهدة المبرمة مع عام 1899 بدأت جحافل القوات الفرنسية في التحرك شرقاً من قواعدها في جنوب الجزائر والنيجر وكان ذلك تقريباً في نفس فترة انتقال السيد المهدي إلى إقليم "قرو"، ثم كان الاستيلاء على "بير علالي" وهي مركز السنوسية في "كانم"، ومقتل شيخها "محمد البرّاني" سنة 1902 بمثابة ضربة موجعة للحركة السنوسية، وبعدها شرع الغزاة الفرنسيون في شن حملة لا هوادة فيها بغية القضاء على الطريقة السنوسية بالكامل داخل كل الأراضي التشادية الشاسعة وخارجها. وفي خلال مدة قصيرة لم تكد تتجاوز العشر سنوات أصبحت الحركة السنوسية في تلك المنطقة في حكم المنتهية، وكان إدراك مدى خطورة التهديد الفرنسي ولا سيّما عقب احتلال طرق القوافل المؤدية من "باقيرمى" و "النيجر" و "كانم" و "واداى" نحو ليبيا، هي السبب الذي حمل السنوسيين في آخر الأمر على دفن خلافاتهم القديمة مع الأتراك من أجل الوقوف معاً في مواجهة هذا الخطر المشترك .
ولقد تجاوزعدد الذين استشهدوا دفاعاً عن زاوية بير علالي المائة شهيد منهم ستون شهيداً من قبيلة الزوية بينهم الشيخ بوبكر قويطين الذي قالت والدته عندما سمعت بنبأ وفاته ورفاقه من قبيلة الزوية : (إنعنهم فدا لسياد اللى في علالى رقّدوا) .
وهذا البيت وتلك الأم العجوز يعكسان كل الحب والتضحية بالنفس والولد الغاليين في سبيل الوطن والسنوسيين ودعوتهم وعلى رأسهم في ذلك الوقت السيد محمد المهدي والد سليل الفاتحين محمد إدريس السنوسي .
وكذلك استشهد شيخ زاوية بير علالي سيدى محمد البراني الساعدي والشيخ يونس بدر والشيخ السنوسي خير الله العبد وشقيقه عبد الله والشيخ غيث سيف النصر والشيخ مصباح الحولي، كذلك استشهد الشيخ محمد بن عقيله شيخ زاوية "قرو" الذي جاء على رأس كوكبة من الفرسان المجاهدين في محاولة لإنقاذ زاوية "بير علالي" .
4- مرحلة السيد احمد الشريف
الثلاثاء، سبتمبر 6
حصريا ذاكرة الايام 7 ( امنينة)
الطريقة السنوسية: الفكر .. الانتشار .. والجهاد
بقلم : ابارهيم السنوسي امنينة
2- مرحلة السيد محمد المهدي
توفي الإمام في العام 1859م عن عمر يناهز الثانية والسبعين معقباً كلاً من السيد محمد المهدي الذي كان قد ولد في قرية "ماسّة" أو "مسّه" بالقرب من مدينة البيضاء ومحمد الشريف الذي ولد بزاوية "درنة"، وخلف الإمام ابنه الأكبر محمد المهدي والد السيد محمد إدريس سليل الفاتحين الذي نحن بصدد الترجمة له ولوالده ولجدّه .
أزداد في عهد هذا الوارث للرسالة محمد المهدي عدد الزوايا السنوسية إلى أن بلغت (123) زاوية منها (45) زاوية في منطقة برقة و (8) زوايا في منطقة طرابلس و(15) زاوية في منطقة فزان و(6) زوايا في واحة الكفرة و(14) زاوية في السودان، و(21) زاوية في صحراء مصر و(11) زاوية في بلاد المغرب الأقصى و(3) زوايا في تونس .
وقد تابع محمد المهدي جهود أبيه الدعوية والإصلاحية حتى بلغت الطريقة السنوسية أوجها في عهده فتعدى نفوذ الزاوية ليبيا ومصر والجزائر والمغرب حتى وصل صحراء إفريقيا، وغداً الإمام محمد المهدي بمثابة الحاكم الروحي والزمني للمنطقة حتى وصفت المصادر التاريخية الأوروبية الطريقة السنوسية بالإمبراطورية السنوسية THE SENUSSI EMPIRE .
وقد نقل الإمام محمد المهدي – والد سليل الفاتحين – مقر دعوته من زاوية واحة جغبوب إلى الجنوب في أقصى القطر الليبي بمحاذاة تشاد وإفريقيا الوسطى والسودان الأوسط في واحة الكفرة عام 1895م، وذلك لاعتبارات عديدة أهمها :
1- خلافه مع الإمام محمد أحمد المهدي السوداني ورفضه التعاون معه لأن هذا الأخير كان قد أرسل نائبه إلى المهدي السنوسي ليكون تابعه فرفض مبايعته، وتجنباً للصراع الإسلامي الإسلامي ترك المنطقة المحاذية للسودان لسلطة الإمام المهدي لأن منهج الطريقة السنوسية يأمر بالمسالمة مع عموم المسلمين ويفضّل العمل على نشر الإسلام، والتفرغ لمقاومة النفوذ الاستكباري الصليبي التبشيري المتغلغل في المنطقة، وبهذا الأسلوب فإن السيد الإمام محمد المهدي يطبقّ منهج السنوسية الذي وضعه وانتهجه والده الإمام وأحد بنوده : "تجنب الدخول في الصراعات الجانبية مع الأطراف الإسلامية واختياره لمنهج المسالمة معهم" .
2- خلافه مع الدولة العثمانية التي توجست منه أن يكون نسخة مكررّة عن حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب، فاضطر إلى الابتعاد عن مناطق نفوذها عملاً بمبدأ المسالمة لكل المسلمين .
3- الابتعاد عن النفوذ الأوروبي الذي بدأ يتغلغل في المنطقة لا سيما بعد محاولات فرنسا وبريطانيا التغلغل في الصحراء الإفريقية وخصوصاً بعد أن تمكنت فرنسا من احتلال (أدرار وعين صالح وتمنراست) في أقصى الجنوب الجزائري .
4- الاقتراب من أواسط إفريقيا وبالقرب من مدينة (واداي) في تشاد التي اعتنقت السنوسية وصارت من أهم الزوايا السنوسية، ومحاولة توسيع نفوذ الزوايا السنوسية، ولما أحسّ الإمام محمد المهدي بما يبيتّه له الفرنسيون من الكيد بعدما تبيّن لهم نشاطه الدعوي المكثف في نشره الإسلام في مستعمراتهم الإفريقية الوسطى – انتقل من واحة الكفرة إلى واحة (قرو) بين تشاد والنيجر ليكون قريباً من الصراع مع الفرنسيين، متخذاً هذه الواحة مركزاً للحركة حتى وفاته بعد الانتقال إليها بثلاث سنوات. وعندما وصل إلى واحة (قرو) هذه كان برفقته أفراد أسرته وكبار الإخوان وشيوخ الزوايا وأعيان القبائل .
أما أبرز الأحداث التي جرت في السودان الأوسط فكانت تتعلق بازدياد سطوة شخص يسمى "رابح" وظهور الخطر الفرنسي . ورابح هذا واحد من عبيد الزبير باشا رحمت، كان قد اشترك في ثورة سليمان بن الزبير ضد سلطان الحكومة المصرية في بحر الغزال حتى إذا ما انهزم سليمان وقُتل وأخفقت الثورة 1879 جمع رابح فلول الجيش وانسحب إلى "دار مغنا" "حسب ما أورده فؤاد شكري في كتاب السنوسية دين ودولة" .
"واستميح القارئ عذراً في الإطالة والإطناب وعذري هو محاولة محو الجهل وتوسيع آفاق الحاذفين والمتأففين عن ذكر سليل الفاتحين" ولازلنا بصدد ذلك .
وبدأ يشنّ الغارات على المناطق المجاورة واستولى على "الباقيرمي" في عام 1892، واحتل مملكة بورنو وأسس لنفسه ملكاً مستقلاً على ضفاف نهر الشاري الذي يصب في بحيرة تشاد، وفي نفس الوقت كان الفرنسيون قد ركّزوا اهتمامهم على تلك الجهات بعد أن وطدّوا سلطاتهم في جهات السنغال الأعلى عام 1865، وفي النيجر عقدوا اتفاقاً مع الانجليز عام 1890 اعتبر معظم الصحراء الوسطى والغربية منطقة نفوذ فرنسية، واتفاقا آخر مع الألمان عام 1894 لاعتبار الأراضي الممتدة حتى بحيرة تشاد مناطق تخضع للنفوذ الفرنسي أيضاً، لذلك تضايقوا من نشاط هذا "الرابح" وشعروا بخطر مملكته عليهم، ولكي يعملوا على ضربه استمالوا سلطان "الباقيرمى" الذي أرغمه رابح على الفرار وقد حاول المهدي الذي شعر بخطر تدخل الفرنسيين أن يؤلف بين قلوب سلاطين تلك الممالك الصغيرة ويدعو إلى السلام، غير أن محاولاته لم تنجح بسبب العداوات الشديدة بينهم، ونجح الفرنسيون باستمالة سلطان الباقيرمى الهارب. ولم تلبث الحرب أن نشبت بين رابح والفرنسيين الذين كان يقود حملتهم "القائد برينونه" فانتصر "رابح" انتصاراً عظيماً عام 1899 . ثم أرسل الفرنسيون قائداً أخر فنجح في إجلاء رابح عن "كانو" في أكتوبر من تلك السنة، وشرع الفرنسيون بالتهيؤ للقضاء عليه نهائياً، ونجحوا في تحقيق ذلك في معركة "بحته" التي قُتل فيها رابح في شهر إبريل 1900م، وخضعت لهم سلطنته وباتوا يهددّون "كانم" وكان السيد المهدي والد السيد إدريس مهتماً بتلك الأحداث لأن خطر الفرنسيين يهدّد حركته وزواياه تهديداً مباشراً، ولذلك انتقل إلى "قرو" وبدأ يتهّيأ لمجابهة الخطر الفرنسي .
وفي أثناء إقامته في "قرو" أرسل محمد البرّاني إلى "كانم" فبنى زاوية في "بير علالي" وطفق يجمع جيوشاً من قبائل التبو والطوارق وأولاد سليمان والزوية والمجابرة لمواجهة الزحف الفرنسي "نذكر بأننا نتحدث عن فاتح يجاهد ضد الهيمنة والاستكبار والاستعمار الصليبي على أرض المسلمين ويحشد القبائل من أجل نصرة الإسلام وسوف يستشهدون في سبيل الله والدين .. وهذا الفاتح هو السيد المهدي والد السيد إدريس السنوسي سليل الفاتحين".
الحلقة القادمة بعنوان :
2- الحرب الفرنسية ضد السنوسية
حصريا ذاكرة الايام 7 ( امنينة)
بقلم : ابراهيم السنوسي امنينة
الطريقة السنوسية: الفكر .. الانتشار .. والجهاد
1- الجانب السياسي والدعوي..
وفي المقابل نرى الإمام السنوسي يعد ويستعد للمواجهة مع الدول الغربية التي احتلت الجزائر في تلك الفترة، فوجّه اهتمامه إليها. ولا شك أنه تأثرّ بهذا الحدث في العالم الإسلامي، فلم يستطع السكوت فيما بعد، فكان يدعو الناس إلى الجهاد في سبيل الله ضد النصارى والكفار المحتلّين المستكبرين المبشرين بالصليب .
وهذا أمر شعر به الفرنسيون وتنبهوا له . لذلك فإن الرحالة الفرنسي " وفريد " قال في ذلك :
" إن السنوسية هي المسئولة عن جميع أعمال المقاومة ضدنا في الجزائر " إلى أن يقول :
" إن الحقيقة التي يجب ألا نغفل عنها أو نتغافلها هي أن الطريقة السنوسية أخطر الأعداء على نفوذنا – نحن الفرنسيون – في شمال إفريقيا وفي السنغال، وأنها العقبة الكأداء في سبيل توسعنا السياسي والاقتصادي داخل إفريقيا " .
وهذا ما جعل الحكومة الفرنسية توصي إلى الدولة العثمانية بأن الحركة السنوسية – كما جاء في كتاب : الحركة السنوسية ونشأتها في القرن التاسع عشر للمرحوم الدكتور أحمد صدقي الدجاني – تدعو إلى إضعاف الدولة العثمانية مما أثار شكوك الأخيرة، لكن تبينّ من خلال من أرسلته إليهم كذب الحكومة الفرنسية فلم تعبأ بها .
يجب على المسلم المعاصر أن لا يغفل عن عدوّه الحقيقي، وأن يكون ذا نظر ثاقب للأمور، وذا بصيرة نافذة يحللّ بميزان الإسلام الطرق والوسائل التي يتعامل بها مع الآخرين .
وكم جرّ على الحركات الإسلامية من مآسي جهلها بعدوّها الحقيقي !!
فتراها تهاجم في غير عدو وتقاتل في غير مقتل، كأولئك الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على مسائل فرعية ظنيّة يرفعونها لرتبة القطعيات والمسلّمات، ويصفون مخالفيهم فيها بالابتداع والضلال مع أن الحق في الأغلب الأعم ليس معهم، والله المستعان على كثرة الجهل وقلّة العلم !!
فليست الحركة السنوسية إذاً مجرد حركة صوفية خرافية كما يقول بعض السذج، وبعض العلمانيين، وبعض المتطرفين من يسار ويمين، وإنما هي نهج تربية وجهاد وعلم وعمل ومصحف وسيف وفكر وحركة .
رابعاً : ومن آراء السيد محمد بن على السنوسي البارزة هي دعوته إلى العمل بالكتاب والسنّة في المجال الفقهي، ورفضه للتقليد الذي أوجبه المتأخرون وحملوا الناس عليه، وأغلقوا باب الاجتهاد !!
والمقصود هنا أمثال الشيخ عليش والبولاقى والحنيش، الذين بالغوا في تخطئته وحتى تكفيره واعتبروه مبتدعاً في الدين، وقيل أن الشيخ الحنيش هذا حاول زيادة على ذلك أن يدس السم للسيدّ للتخلص منه – وكان السيد إدريس سليل الفاتحين قد نفى هذه الجزئية وأنكرها.
وكان الإمام قد حضر إلى مصر الأزهر في العام 1824م في عهد محمد على باشا. (محمد فؤاد شكري السنوسية دين ودولة ) .
وهذا لا يعني رفض الاجتهادات التي جاء بها الأئمة الأربعة واستقر عليها عمل الأئمة قرونا ودهوراً وإنما هو نظر واستدلال .
ومع هذا فقد كان الإمام السنوسي يفتى بمذهب الإمام مالك مع إدعائه الاجتهاد، ذلك لأن المسلمين في بلاد المغرب الإسلامي (من ليبيا إلى الأندلس) يتبعون عقيدة الأشعري وفقه الإمام مالك. فهو يرفض القول بإقفال باب الاجتهاد ولكن لا يعني هذا إنه يولج بلا شروط وبلا ضوابط – كما نرى بعض الناس يفعل .
خامساً : ومن الخصائص التي امتازت بها الحركة السنوسية هي الربّانية المتمثلة في الطريقة الصوفية السائرة على منهج الكتاب والسنّة . فالطريقة الصوفية هي وسيلة للترقىّ بالنفس وتهذيبها ومعالجتها من شهواتها الفاسدة وتطويعها لله سبحانه .
كان هذا ملخصاً لترجمة الإمام محمد بن على السنوسي وحركته الدينية الفكرية الثقافية الدعوية الإسلامية السلفية السنيّة التي أفرزتها جملة من العوامل الداخلية الإقليمية والخارجية بالمنطقة المغاربية، ولقد أوجزت كثيراً ولكن ليس إلى حد التقصير وعدم الوفاء بالحق، إنما بدواعي مراعاة عدم الإطناب والإسهاب وتطرّق الملل للقارئ بل إتباع مبدأ ما قلّ ودلّ .
إذن كانت هذه ترجمة للجانب السياسي والدعوى للطريقة السنوسية وفي ختامها نوضح أنه ما أن استقر الإمام السنوسي في واحة الجغبوب وأنشأ فيها زاويته البيضاء عام 1856م واتخذها مركزاً ومنطلقاً لدعوته حتى غدت مؤسسة متكاملة تضم جميع مرافق الحياة الدينية والدنيوية .
وتسامع الناس به فزحفوا نحوه بالآلاف ما بين طلاّب علم ومريدي طريقه، وأنصار دين من كل صوب وحدب وصار الإمام السنوسي يرسل الدعاة والمريدين والإخوان المحبيّن إلى جميع أنحاء ليبيا والسودان وأواسط إفريقيا إلى النيجر وبحيرة تشاد التابعة لنفوذه .
ويجب اعتبار ما قام به طيلة حياته من تلقّى علم وتلقين وبحوث في علم وتدريس علم للدعاة والمريدين والطلبة والمحبين ثم إرسالهم موفدين لنشر الدين الإسلامي وتوعية من هم جاهلين في مجاهل إفريقيا وتلقينهم أصول الدين والشرع ليعّلموا غيرهم ويتخرج على أيدهم معلمين وهكذا – أقول إنه يجب اعتبار كلّ ما قام به الإمام هو بمثابة جهاد وفتح فالفتح بالعلم صنوٌ للفتح بالسيف، فالفتح بالعلم يغني عن الفتح بالسيف بل ويقوم مقامه، وأما الفتح بالسيف فليس بالضرورة أن يؤدي إلى علم أو حتى إيمان بدليل وجوب الجزية على من يرضخون للفاتح سياسياً ولكن من ناحية الدين فإنهم يبقون على حالهم مع جواز دفع الجزية .
إذاً فالسيد الإمام الذي نحن بصدد الترجمة له يعتبر فاتحاً وكذلك ابنه السيد محمد المهدي وابنه السيد محمد إدريس فإنهما يعتبران سليلين للفاتحين، ولا مراء في ذلك .
الحلقة القادمة بعنوان
2- مرحلة السيد محمد المهدي
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)












